The Future of the Communication Expert in 2030: Facing the Age of AI

في أحد اجتماعاتنا مع عميل كان يسعى إلى بناء استراتيجية اتصال لعلامته التجارية، طرحنا سؤالاً بدا بسيطاً: «هل استراتيجية الاتصال التي نعمل على بنائها متوافقة مع استراتيجية أعمال المؤسسة؟». وكانت الإجابة من العميل غير واضحة وأعادتنا لنقطة الصفر لبناء استراتيجية اتصال تخدم أعمال الشركة ككل.
ومن واقع عملنا الاستشاري في قطاع الاتصال، نرى مؤسسات كثيرة تبدأ من الرسائل والقنوات والحملات، قبل أن تجيب عن الأسئلة الأهم: ما الذي تريد المؤسسة تحقيقه؟ ما القرارات التجارية أو المؤسسية التي يجب أن يدعمها الاتصال؟ وعندما تغيب هذه الإجابات، تصبح استراتيجية الاتصال منفصلة عن استراتيجية الأعمال، ومهما بدت متماسكة على الورق، لكنها تُبنى في الهواء.
منذ فترة، اطلعت على تقرير ديلويت للشؤون المؤسسية لعام 2026، تحت عنوان “الطريق إلى 2030"، الذي تحدث عن التغير الجذري في وظيفة الاتصال المؤسسي؛ إذ أفاد التقرير بأن 83% من إدارات الشؤون المؤسسية تشهد تغييرات كبيرة، وأن 66% منها تعيد هيكلة نماذج عملها.
وإذا أرادت الشركات إحداث نمو وتحول حقيقي في مجال الاتصال، يجب عليها أن لا تكتفي بتغيير الهيكل التنظيمي أو إضافة أدوات جديدة، بل أن تتم الاستعانة بخبير الاتصال مع بداية أي مشروع .
حيث يبدأ الاتصال الاستراتيجي عندما يشارك خبير الاتصال في فهم القرار واختبار انعكاساته: كيف سيفهمه الموظفون؟ كيف سيتلقاه العملاء؟ ما أثره المحتمل على السمعة؟ وما المخاطر التي قد تظهر عندما ينتقل القرار من غرفة الاجتماعات إلى المجال العام؟
خبير الاتصال لا يأتي فقط ليشرح القرار بعد اتخاذه بل يجب أن يساهم في تشكيله قبل اعتماده.
دراسة حالة: بناء استراتيجية التواصل أثناء الأزمات لمؤسسة في مجال العقارات الفاخرة في دبي
لماذا نرفض اختزال خبير الاتصال في دورٍ تنفيذي؟
من أكثر الأخطاء التي نراها في العمل الاستشاري، أن تبدأ العلاقة بطلب استراتيجي، ثم تنجرف سريعاً نحو قائمة من المخرجات التنفيذية: بيان صحفي، مقابلات، منشورات، فعالية أو حملة.
التنفيذ مهم، لكنه لا يصنع استراتيجية بمفرده. في صَبا للاستشارات، نحرص على أن لا يتحول دورنا إلى تنفيذ الطلبات بمعزل عن أهدافها. ليس انتقاصاً من قيمة التنفيذ، بل لأن التنفيذ الجيد لفكرة غير واضحة لن يعالج المشكلة الأساسية، ولن يأتي بالنتيجة المرجوة منه.
وهنا دور المستشار ليس أن يسأل فقط: ماذا تريدون أن ننشر؟ بل أن يسأل أيضاً: لماذا تريدون نشره؟ من الذي يجب أن يتأثر به؟ ما السلوك أو التصور الذي تريدون تغييره؟ وكيف سيدعم ذلك أعمال المؤسسة؟
هذه الاستفسارات والتوضيحات، هي التي تفصل بين خبير اتصال ينفذ المطلوب وشريك يساعد المؤسسة على اتخاذ قرار أفضل.
لغة الأعمال هي لغة الاتصال الجديدة
أحد أهم التحولات التي يرصدها التقرير هو ارتفاع الطلب على الفهم التجاري والتفكير الاستراتيجي، إلى جانب القدرة على سرد القصص. لم تعد جودة الكتابة أو قوة العلاقات الإعلامية كافيتين وحدهما للوصول إلى طاولة صنع القرار.
لكن هنا تأتي الحقيقة المرة: ما هي نسبة مدراء الاتصال الذين يتحدثون لغة الأعمال، وبالأخص الذين يُستدعون بعد اتخاذ القرار لصياغة الرسالة. ولذا لا يمكن أن نطالب بالمشاركة في صنع القرار ونحن لا نتحدث اللغة التي تدور حولها القرارات.
وهذه المسؤولية لا تقع على عاتق خبراء الاتصال وحدهم، بل تمتد إلى المؤسسات ذاتها في اختيار من تستعين بهم. فالشركة التي تبحث عن مستشار اتصال يفهم ديناميكيات السوق ومؤشرات الأداء وقرارات الاستثمار، ستجد نتائج مختلفة تماماً في حال كانت الشركة تبحث فقط عن موظف يُجيد صياغة البيانات وإدارة الحسابات.
وفي صَبا للاستشارات، آمنّا بهذا المبدأ منذ البداية. لهذا حرصنا على بناء فريق يجمع بين خبرة الاتصال والعمق التجاري، ومن بينهم متخصصون قادمون من قطاع المال والأعمال، يفهمون كيف تُقرأ الأرقام، وكيف تُترجم القرارات المالية إلى رسائل تبني الثقة مع أصحاب المصلحة. لأن الاتصال الذي يؤثر حقاً لا يُكتب فقط بلغة جيدة بل يُبنى على فهم عميق للسياق الذي تعمل فيه المؤسسة
الذكاء الاصطناعي لن يحل مشكلة غياب الاستراتيجية
يذكر تقرير ديلويت أن 95% من قادة الشؤون المؤسسية يضعون تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتهم — لكن 24% فقط لديهم استراتيجية رسمية لاستخدامه. والأكثر دلالةً أن التقرير يصف معظم الفرق بأنها لا تزال في “مرحلة الاستكشاف" — تجارب فردية وبرامج تجريبية — بدلاً من تبنٍّ مؤسسي حقيقي. وهذا بالضبط ما نلاحظه في سوقنا.
لكن التقرير يذهب أبعد من ذلك: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة لكتابة المحتوى — بل هو إعادة هيكلة كاملة لطريقة عمل الشؤون المؤسسية. يصف التقرير ثلاثة أبعاد لهذا التحول: الذكاء الاصطناعي كواقع جديد يُعيد تشكيل بيئة المعلومات ويُضبّب الحد بين الحقيقة والتصور في عصر بات التقرير يسميه “ما بعد الواقع" — الذكاء الاصطناعي كمخاطر وحوكمة تتجاوز الأمن السيبراني إلى كيفية الحفاظ على الثقة حين تلعب الآلات دوراً أكبر في الاتصال — والذكاء الاصطناعي كطريقة عمل تُعيد توزيع جهود الفريق وتُعيد تعريف ما يُعدّ عملاً عالي القيمة.
بحلول 2030، يتوقع التقرير أن يصبح الذكاء الاصطناعي في صميم كل إدارة شؤون مؤسسية — محوراً مركزياً للبيانات يُغذّي كل شيء حوله، من التواصل المتكامل إلى إدارة أصحاب المصلحة والشؤون العامة. بعض المؤسسات قد تستحدث دوراً جديداً كلياً: Chief Corporate Affairs & AI Officer — حيث يرتقي دور الإنسان إلى الإشراف الاستراتيجي والحوكمة الأخلاقية.
لكن النقطة الجوهرية التي يؤكدها التقرير: الذكاء الاصطناعي يُضخّم قدرات الوظيفة — لكنه لا يعوّض الحكم البشري خلفها. القيمة التي يصعب استبدالها هي القدرة على صون هوية العلامة التجارية، وبناء التواصل العاطفي مع أصحاب المصلحة، والتعامل بدهاء مع ما يسميه التقرير “عصر ما بعد الحقيقة" — بما يشمل مواجهة المعلومات المضللة والسرديات الاصطناعية.
الفريق الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لإنتاج المحتوى سيُستبدل بلا شك أما الفريق الذي يوظّفه لاستباق
المخاطر وقراءة السياق وتعزيز دوره الاستشاري، سيلعب دوراً جوهرياً لا يمكن الاستغناء عنه.
التغطية الإعلامية ليست نتيجة نهائية
لا تزال مؤشرات كثيرة في قطاع الاتصال تركز على عدد التغطيات والمنشورات والمقابلات الإعلامية. وبعد كل حملة تقريباً، يأتي السؤال المعتاد: كم تغطية حققنا؟
قد تكون هذه الأرقام مفيدة، لكنها لا تكفي للحكم على نجاح الاتصال. وهذا التركيز ليس خطأ العملاء وحدهم فهو نتيجة لما اعتاد قطاعنا تقديمه وقياسه على مدى سنوات. عندما نحصر تقاريرنا في حجم التغطية والوصول والانطباعات، فإننا نعلّم المؤسسات أن هذه الأرقام هي القيمة الأساسية التي ننتجها.
ويشير تقرير ديلويت إلى أن 69% من إدارات الشؤون المؤسسية ما زالت تعتمد على مقاييس السمعة التقليدية، بينما لا تتجاوز نسبة من يستخدمون مؤشرات اقتصادية 26%.
كما يجب أن نجيب على هذه الأسئلة عندما نتحدث عن أثر حملة الاتصال التي قمنا بها: هل ساعد الاتصال على بناء الثقة؟ هل دعم قراراً تجارياً؟ هل قلّل من مخاطر السمعة؟ وهذا ما لن تأتينا الإجابة عليه الا بعد حين وبعد تكرار نشاط التواصل بحيث تبنى النجاحات على بعضها.
اقرأ أيضاً: دور المؤثرين: شركاء استراتيجيون في الاتصال والعلاقات العامة
الطريق إلى 2030 يبدأ قبل صياغة الرسالة
يضع تقرير ديلويت خبير الاتصال أمام مسارين حتى 2030: أن يرتقي إلى دور استشاري أكثر تأثيراً، أو أن يتحول إلى تنفيذي يمكن استبداله بسهولة. وما يلفت النظر أن الفارق بين المسارين لن يُحسم بعدد الأدوات أو الحملات بل بسؤال واحد: هل يُطلب من فريق الاتصال شرح القرار بعد اتخاذه أم يُدعى إلى الغرفة للمساهمة في صناعته؟
ونؤمن في صَبا للاستشارات بأن استراتيجية الاتصال لا ينبغي أن تبدأ من سؤال: ماذا سنقول؟ بل من سؤال أسبق وأصعب: ما الذي تريد المؤسسة تحقيقه، وكيف تستطيع استراتيجية الاتصال أن تساعدها على الوصول إليه؟ ونعتبر أنفسنا شركاء حقيقيين لعملائنا مرحب بهم على الدوام على طاولة صنع القرار.