دور المؤثرين: شركاء استراتيجيون في الاتصال والعلاقات العامة

في عالم التواصل الرقمي المتسارع، لم تعد العلامات التجارية تعتمد فقط على الإعلانات المدفوعة، والخطط التسويقية التقليدية. لقد أصبح “المؤثرون" جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية أي شركة، إذ تسعى للتواصل الحقيقي مع جمهورها. لا يقدّم المؤثرون حاليًا رسائل جاهزة، بل يصنعون محتوى يُشبههم، ويتقاطع مع حياة الناس اليومية، ويتفاعل مع اهتماماتهم بطريقة إنسانية وواقعية.
أهمية المؤثرين في بناء الثقة والتأثير
في زمنٍ يُغرق فيه المستهلك بالإعلانات، أصبح المؤثرون جسرًا بشريًا يعيد الثقة بين العلامة التجارية والجمهور. الناس لا يثقون بالإعلانات كثيرًا إلا أنهم يثقون بشخص يشبههم، يشاركهم يومياته، ويجرب المنتج أمامهم بصدق. إن هذه العلاقة الشخصية تولّد نوعًا من التأثير لا يمكن شراؤه بالمال فقط، بل يُبنى على المدى الطويل عبر المصداقية والاستمرارية.
في العالم العربي، رأينا حملات مؤثرين أحدثت تغييرًا حقيقيًا في الوعي والسلوك. على سبيل المثال:
- – على مستوى الإمارات، ساعدت حملة #عيش_بصحة بالتعاون مع مؤثرين في اللياقة والتغذية، على رفع الوعي الصحي بين فئة الشباب، وزادت معدلات التسجيل في البرامج الصحية الحكومية بنسبة 30%.
- – على المستوى العالمي، لا يمكن تجاهل حملة #LikeAGirl من Always، والتي شاركت فيها مؤثرات نسويات من عدة بلدان، وغيّرت نظرة الملايين لعبارة كانت تُستخدم كإهانة، إلى مصدر فخر وتمكين. وكذلك حملة Nike – You Can’t Stop U، التي جمعت بين مؤثرين ورياضيين عالميين، لتعزز قيم الشمول والمرونة، وحققت أكثر من 50 مليون مشاهدة خلال أسبوع.
المؤثرون الحقيقيون لا يبيعون فقط، بل يقودون ويغيّرون رأي الجمهور، يرفعون وعيه، ويخلقون حوارات اجتماعية كانت في الظل. وهذا ما يجعلهم اليوم شريكًا أساسيًا، لا مجرد وسيلة ترويجية.
اقرأ أيضًا: نصائح ذهبية عن التسويق بالذكاء الاصطناعي لعام 2025
سوق المؤثرين: من البداية حتى الآن
لم يعد المشهد كما كان من قبل؛ في 2025، لم تعد الشراكة مع المؤثر خيارًا يُجرَّب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تتسابق عليها العلامات الذكية. بات التعديل على استراتيجيات التواصل أمرًا حتميًا بناءً على الأرقام، حيث تجاوز السوق 32 مليار دولار عالميًا، والنقاش لم يعد يدور حول “مدى التأثير"، بل حول كيفية احتوائه. أكثر من 80% من المسوقين يضعون هذه الشراكات في صميم خطط النمو.
كما تؤكد التقارير أن المؤثرين الذين يبنون علاقات طويلة الأمد يحققون أداءً أعلى بنسبة قد تصل إلى 90%، مقارنةً بالحملات العابرة. في ظل هذا الزخم، لم تعد أرقام المتابعين والصوت العالي هما المقياس، بل أصبح الرهان على من يملك ثقة جمهوره ويحسن استخدامها. لأن التأثير ، الحقيقي، في نهاية الأمر، لا يصنع ضوضاء — بل يترك أثر، وهذا الجدول يظهر النمو الكبير في سوق المؤثرين بين الماضي والحاضر.
|
السنة |
حجم سوق المؤثرين (مليار دولار) |
|
2016 |
1.7 |
|
2018 |
4.6 |
|
2020 |
9.7 |
|
2022 |
16.4 |
|
2024 (تقديري حسب النمو) |
27.3 |
|
2025 (تقديري) |
32.55 |
تشير هذه الأرقام إلى أن النمو في سوق المؤثرين لم يكن مجرد طفرة مؤقتة، بل هو توجه استراتيجي طويل الأمد يُعيد تشكيل عالم التسويق والعلاقات العامة.
المؤثرون في العالم العربي
في منطقتنا العربية، ظهر العديد من المؤثرين الذين لم يقتصر تأثيرهم على متابعيهم فحسب، بل أصبحوا جزءًا من مشهد الثقافة الرقمية. من مجالات الجمال، إلى ريادة الأعمال، والرحلات، وحتى المبادرات الاجتماعية والإنسانية.
تختلف طبيعة المؤثر العربي بحسب السياق المحلي؛ ففي الخليج، مثلًا، يسيطر المؤثرون على إنستغرام وسناب شات، ويركزون على نمط الحياة والرفاهية، ولكنهم يتميزون بقدرتهم على الدمج بين الهوية المحلية والعالمية (أغلبهم ناطقون باللغة العربية والإنجليزية). أما في بلاد الشام والمغرب العربي، فنجد تنوعًا أوسع في المحتوى يشمل التعليم والسياسة والكوميديا والفن.
ورغم هذا التنوع، لا تزال هناك فجوة في الاحترافية. فالكثير من الحملات تعتمد على “عدد المتابعين" بدلًا من “جودة التأثير“. وفقًا لتقرير Arab Youth Survey 2024، يتأثر 70% من الشباب العربي بالمحتوى الذي يشاهدونه يوميًا، إلا أن 55% يشككون في مصداقية المؤثرين، الذين يروّجون لمنتجات لم يتم تجربتها بشكلٍ فعلي.
ويبرز هنا دور شركات العلاقات العامة والتسويق في فلترة المؤثرين، وفهم الفروقات الثقافية بين بلدٍ وآخر، والتأكد من أن الرسالة تصل بأسلوبٍ يليق بالجمهور. فليس كل من لديه متابعون، هو بالضرورة مؤثر فعلي.
اقرأ أيضًا: الشركات الناشئة: التواصل الفعال المفتاح لمواجهة جميع المصاعب
كيف نختار المؤثر المناسب لخدمتنا أو علامتنا التجارية؟
حتى في حال كنا نقدم خدمة أو منتج مثالي، فإنه في حال عدم اختيارنا المؤثر المناسب قد لا تحصد حملتنا الإعلانية النتائج المتوقعة، ولذا يوجد أسس معينة يجب علينا أخذها بعين الاعتبار عند اختيار المؤثر المناسب؟
- أن يتطابق جَمهور المؤثر مع الجَمهور المستهدف للعلامة، فإذا كانت دار نشر تسعى للترويج إلى كتاب جديد صادر عنها، لا يمكن الاعتماد على مؤثر مختص بمنتجات التجميل للترويج لهذا الكتاب، والعكس صحيح.
- أن يتمتع بالشفافية والمصداقية، يوجد بعض المؤثرين الجدد أو غير المسؤولين، الذين قد يسوقون لأي منتج دون تجربته أو التحقق منه، ومع الوقت سوف يخسرون ثقة متابعيهم، لذا يجب عليك التأكد من مصداقية المؤثر من خلال تجاربه السابقة.
- أن يتناسب عدد متابعيه مع التفاعل على الصفحة، يوجد الكثير من المؤثرين الذين يشترون متابعين وهميين، وحتى تفاعلات وهمية، لذا يجب عليك متابعة صفحة المؤثر لفترة إذا لم تكن تعرفه من قبل والتأكد من تناسب عدد المتابعين مع التفاعل، مع المؤثرين الأرقام قد تكذب في بعض الأحيان.
- أن يتماشى أسلوبه ومحتواه مع الفئة المستهدفة لديك، وقد فشلت الكثير من حملات للمؤثرين بسبب عدم تناسب محتواهم مع الفئة المستهدفة، على سبيل المثال تعاونت شركة منتجات أطفال مع مؤثر معروف بمحتوى ساخر عند ترويجه للمنتج بأسلوبه الهزلي المعتاد، شعرت الأمهات (الفئة المستهدفة) أن الإعلان غير جاد وغير مناسب. النتيجة: تفاعل ضعيف وتأثير سلبي على الحملة.
لم يعد دور المؤثرين تسويقيًا فقط. بل إن المؤسسات الذكية تدمجهم ضمن استراتيجية الاتصال، ليكونوا صوتًا إضافيًا مسموعًا وصادقًا يظهر قيمها ويتفاعل مع المجتمع. يلعب المؤثرون اليوم دورًا جوهريًا في إطلاق المبادرات ودعم القضايا الاجتماعية وتعزيز سمعة العلامة بشكل عضوي، كما يأثرون على الرأي العام في قضايا هامة.
المصادر:
Statista – Influencer Marketing Market Size
Sprout Social – Influencer Statistics
Influencer Marketing Hub – Benchmark Report